الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
238
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ، وذلك من الكبر . وقوله : اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً وصف كاشف ل الْقَواعِدُ وليس قيدا . واقترن الخبر بالفاء في قوله فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ لأن الكلام بمعنى التسبب والشرطية ، لأن هذا المبتدأ يشعر بترقب ما يرد بعده فشابه الشرط كما تقدم في قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [ المائدة : 38 ] . ولا حاجة إلى ادعاء أن ( ال ) فيه موصولة إذ لا يظهر معنى الموصول لحرف التعريف وإن كثر ذلك في كلام النحويين . و أَنْ يَضَعْنَ متعلق ب جُناحٌ بتقدير ( في ) . والمراد بالثياب بعضها وهو المأمور بإدنائه على المرأة بقرينة مقام التخصيص . والوضع : إناطة شيء على شيء ، وأصله أن يعدى بحرف ( على ) وقد يعدى بحرف ( عن ) إذا أريد أنه أزيل عن مكان ووضع على غيره وهو المراد هنا كفعل ( ترغبون ) في قوله تعالى : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ في سورة النساء [ 127 ] ، أي أن يزلن عنهن ثيابهن فيضعنها على الأرض أو على المشجب . وعلة هذه الرخصة هي أن الغالب أن تنتفي أو تقل رغبة الرجال في أمثال هذه القواعد لكبر السن . فلما كان في الأمر بضرب الخمر على الجيوب أو إدناء الجلابيب كلفة على النساء المأمورات اقتضاها سد الذريعة ، فلما انتفت الذريعة رفع ذلك الحكم رحمة من اللّه ، فإن الشريعة ما جعلت في حكم مشقة لضرورة إلا رفعت تلك المشقة بزوال الضرورة وهذا معنى الرخصة . ولذلك عقب هذا الترخيص بقوله : وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ . والاستعفاف : التعفف ، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب ، أي تعففهن عن وضع الثياب عنهن أفضل لهن ولذلك قيد هذا الإذن بالحال وهو غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ أي وضعا لا يقارنه تبرج بزينة . والتبرج : التكشف . والباء في بِزِينَةٍ للملابسة فيؤول إلى أن لا يكون وضع الثياب إظهارا لزينة كانت مستورة . والمراد : إظهار ما عادة المؤمنات ستره . قال تعالى : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى [ الأحزاب : 33 ] ، فإن المرأة إذا تجلت بزينة من شأنها إخفاؤها إلا عن الزوج فكأنها تعرض باستجلاب استحسان الرجال إياها وإثارة رغبتهم فيها ، وهي وإن كانت من القواعد فإن تعريضها بذلك يخالف الآداب ويزيل وقار سنها ، وقد يرغب فيها بعض أهل الشهوات لما في التبرج بالزينة من الستر على عيوبها أو الإشغال عن